أبو علي سينا
تصدير 44
الشفاء ( المنطق )
وهذا الإيثار قد يتعلق من وجه بالأصول النظرية للأخلاق ، وهذا هو التعلق الأول ، مثل البحث في أفعال العفة هل هي سعادة أو لا ؟ ومن وجه آخر بالجانب العملي ، أي بالوسائل التي تحقق أغراضا تتجه نحوها ، ويسمى ذلك بالتعلق الثاني . وهذان الوجهان لم يذكرهما أرسطو ، اللهم إلا بالعرض في ثنايا الكتاب ، على حين فصلهما ابن سينا عند الكلام عن أصناف المقدمات والمسائل ، وأن الصنف الأول مقدمات منطقية تراد لغيرها من الأمور النظرية والعملية ، « والثاني خلقية وهو فيما إلينا أن نعلمه ، وهو المتعلق بالمؤثر والمهروب عنه ؛ إما تعلقا أوليا ، مثل قولنا : هل أفعال العفة سعادة أو ليست ؟ وإما تعلقا ثانيا ، وهو أن تكون نفس المسألة ليس رأيا هو تعليم عمل أو كسب خلق ، لكنه نافع في ذلك ، ويطلب لأجل ذلك » « 1 » . ولا تخرج مباحث القيمة في الوقت الحاضر عن هذين الوجهين : الشخصي والموضوعي ، نعنى الإيثار الذي يرجع الحكم على الأفعال إلى الرغبة ومزاج الشخص ؛ أو الوسائل التي تراد لغايات من أجلها تتخذ هذه الوسائل . ومن الفلاسفة المحدثين من يدافع عن وجهة النظر الأولى ، ومنهم من يدافع عن المذهب الثاني ، وفريق يجمع بين الجانبين ، كما فعل ابن سينا . ويسمى ابن سينا الجانب الشخصي في حكم القيمة « الآثر » ويسمى الجانب الموضوعي « الأفضل » . فالعلم أفضل ، ولكنه ليس آثر من اللباس عند العريان « 2 » . أي أن العلم فضيلة في ذاته ، والملبس فضيلة أخرى ، ولو كانت الموازنة حاصلة
--> ( 1 ) الجدل ، ص 82 . ( 2 ) الجدل ، ص 145 .